ابراهيم بن عمر البقاعي
12
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
الخطابان إفصاحا وإفهاما من حيث ذكر تفصيل الكتب إفصاحا فافهم متنزل الفتنة في الابتداء إلاحة ، فإنه كما أنزل الكتب هدى أنزل متشابهها فتنة ، فتعادل الإفصاحان والإلاحتان ، وتم بذلك أمر الدين في هذه السورة - انتهى . وما أحسن إطلاق العذاب بعد ذكر الفرقان ليشمل الكون في الدنيا نصرة للمؤمنين استجابة لدعائهم ، وفي الآخرة تصديقا لقولهم وزيادة في سرورهم ونعيمهم ، وتهديدا لمن ترك كثير من هذه السورة بسببهم وهم وفد نصارى نجران . يجادلون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في أمر عيسى عليه الصلاة والسّلام ، فتارة يقولون : هو اللّه ، وتارة يقولون : هو ابن اللّه ، وتارة يقولون : هو ثالث ثلاثة ، وكان بعضهم عالما بالحق في أمر عيسى عليه الصلاة والسّلام وبأن أحمد الذي بشر به هو هذا النبي العربي فقال له بعض أقاربه : فلم لا تتبعه وأنت تعلم أن عيسى أمر باتباعه ؟ فقال له : لو اتبعناه لسلبنا ملك الروم جميع ما ترى من النعمة ، وكان ملوك الروم قد أحبوهم لاجتهادهم في دينهم وعظموهم وسودوهم وخولوهم في النعم حتى عظمت رئاستهم وكثرت أموالهم - على ما بين في السيرة الهشامية وغيرها ، واستمر سبحانه وتعالى يؤكد استجابته لدعاء أوليائه بالنصرة آخر البقرة في نحو قوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ [ آل عمران : 10 ] قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ [ آل عمران : 12 ] إلى أن ختم السورة بشرط الاستجابة فقال : اصْبِرُوا وَصابِرُوا [ آل عمران : 200 ] ، ثم قال توضيحا لما قدم في آية الكرسي من إثبات العلم ، واستدلالا على وصفه سبحانه وتعالى بالقيومية التي فارق بها كل من يدعي فيه الإلهية مشيرا بذلك إلى الرد على من جادل في عيسى عليه الصلاة والسّلام فأطراه بدعواه أنه إله ، وموضحا لأن كتبه هدى وأنه عالم بالمطيع والعاصي بما تقدم أنه أرشد العطف في وَاللَّهُ عَزِيزٌ إلى تقديره ، ومعللا لوصفه بالعزة والقدرة لما يأتي في سورة طه من أن تمام العلم يستلزم شمول القدرة : إِنَّ اللَّهَ بما له من صفات الكمال التي منها القيومية لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ وإن دق ، ولما كان تقريب المعلومات بالمحسوسات أقيد في التعليم والبعد عن الخفاء قال - وإن كان علمه سبحانه وتعالى لا يتقيد بشيء : فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ * أي ولا هم يقدرون على أن يدعوا في عيسى عليه الصلاة والسلام مثل هذا العلم ، بل في إنجيلهم الذي بين أظهرهم الآن في حدود السبعين والثمانمائة التصريح بأنه يخفى عليه بعض الأمور ، قال في ترجمة إنجيل مرقس في قصة التي كانت بها نزف الدم : إنها أتت من ورائه فأمسكت ثوبه فبرأت فعلم القوة التي خرجت منه ، فالتفت إلى الجمع وقال : من مس ثوبي ؟ فقال له تلاميذه : ما ندري ، الجمع يزحمك ، ويقول : من اقترب ؟ فجاءت وقالت له الحق ، فقال : يا ابنة ! إيمانك خلصك ؛ وهو في إنجيل لوقا